تفسير الطبري - Al-Tabari   سورة  النساء الأية 143


سورة Sura   النساء   An-Nisaa
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)
الصفحة Page 101
مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)

القول في تأويل قوله : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (143)

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " مذبذبين "، مردّدين.

* * *

وأصل " التذبذب "، التحرك والاضطراب، كما قال النابغة:

أَلــم تَـرَ أَنَّ اللـه أَعْطَـاكَ سُـورَةً

تَــرَى كُـلَّ مَلْـكٍ دُونَهَـا يَتَذَبْـذَبُ (23)

* * *

وإنما عنى الله بذلك: أن المنافقين متحيِّرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارَى بين ذلك، فمثلهم المثلُ الذي ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:-

10728- حدثنا به محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيَّهُما تَتْبع!

10729- وحدثنا به محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فَوقفه على ابن عمر، ولم يرفعه قال، حدثنا عبد الوهاب مرتين كذلك. (24)

10730- حدثني عمران بن بكار قال، حدثنا أبو روح قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. (25)

* * *

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

10731- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "، يقول: ليسوا بمشركين فيظهروا الشرك، وليسوا بمؤمنين.

10732- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "، يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرِّحين بالشرك. قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله عليه السلام كان يضرب مَثَلا للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رَهْط ثلاثة دَفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقَطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إليَّ، فإنيّ أخشى عليك! وناداه المؤمن: أن هلم إليّ، فإن عندي وعندي! يحصي له ما عنده. فما زال المنافق يتردَّد بينهما حتى أتى عليه آذيٌّ فغرَّقه. (26) وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة، حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: مثل المنافق كمثل ثاغِيَة بين غنمين، (27) رأت غَنمًا على نَشَزٍ فأتتها فلم تعرف، (28) ثم رأت غنمًا على نَشَزٍ فأتتها وشامَّتها فلم تعرف. (29)

10733- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " مذبذبين "، قال: المنافقون.

10734- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "، يقول: لا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى هؤلاء اليهود.

10735- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: " مذبذبين بين ذلك "، قال: لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك.

10736- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " مذبذبين بين ذلك "، بين الإسلام والكفر=" لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ".

* * *

وأما قوله: " ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا "، فإنه يعني: من يخذُله الله عن طريق الرشاد، وذلك هو الإسلام الذي دعا الله إليه عباده. يقول: من يخذله الله عنه فلم يوفقه له=" فلن تجد له "، يا محمد=" سبيلا "، يعني: طريقًا يسلُكه إلى الحق غيره. وأيّ سبيل يكون له إلى الحق غير الإسلام؟ وقد أخبر الله جل ثناؤه: أنه من يبتغ غيره دينًا فلن يُقبل منه، ومن أضله الله عنه فقد غَوَى فلا هادي له غيره. (30)

-------------

الهوامش:

(23) مضى البيت وتخريجه وشرحه ، في 1 : 105.

(24) الأثران: 10728 ، 10729 - إسناده صحيح.

"عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي" ثقة. مضى مرارًا كثيرة.

"عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم" ثقة ، مضى مرارًا.

وهذا الأثر رواه مسلم 17 : 128 ، من طريق محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب الثقفي ، بلفظه ، إلا أنه لم يذكر فيه: "لا تدري أيهما تتبع".

ورواه أيضًا من طريق محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، عن عبيد الله.

ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبد الله.

ورواه أحمد في المسند: 5079 ، من طريق إسحاق بن يوسف ، عن عبيد الله ، مع اختلاف يسير في لفظه.

ورواه أيضًا في المسند: 5790 ، من طريق محمد بن عبيد ، عن عبيد الله ، بمثل لفظ أبي جعفر.

ورواه بمعناه في المسند ، الآثار رقم: 472 ، 5359 ، 5546 ، 5610.

واستوفى تخريجه أخي السيد أحمد في شرح المسند ، وزاد في تخريجه الحافظ ابن كثير في تفسيره 2 : 611 ، فراجعه هناك.

وكان في المطبوعة: "لا تدري أيتهما تتبع" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لرواية أحمد في المسند.

"الشاة العائرة": هي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع. من قولهم: "عار الفرس والكلب وغيرهما يعير عيارًا" ، ذهب كأنه منفلت من صاحبه ، فهو يتردد هنا وهنا.

وقوله: "تعير إلى هذه مرة" ، أي: تذهب في ترددها إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة.

(25) الأثر: 10730 - مكرر الأثرين السالفين."عمران بن بكار الكلاعي" شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم: 2071 ، وروى عنه الطبري في مواضع كثيرة سالفة.

و"أبو روح" هو: "الربيع بن روح الحمصي" ، أبو روح الحضرمي ثقة. مضى برقم: 8164.

و"ابن عياش": هو: "إسماعيل بن عياش الحمصي" ، مضى برقم 5445 ، 8164. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ابن عباس" ، وهو خطأ.

وطريق ابن عياش ، عن عبيد الله ، مرفوعًا ، أشار إليها الحافظ ابن كثير في تفسيره 2 : 611.

(26) في المطبوعة: "حتى أتى عليه الماء فغرقه" ، وفي المخطوطة: "حتى أتى عليه أذى يغرقه" ، وصواب ذلك كله ما أثبت.

"الآذى": الموج الشديد. وقال ابن شميل: "آذى الماء" ، الأطباق التي تراها ترفعها من متنه الريح ، دون الموج.

(27) "الثاغية": الشاة."ثغت الشاة تثغو ثغاء": صاحت.

(28) "النشز": المتن المرتفع من الأرض أو الوادي ، كأنه رابية.

(29) "شامتها": دنت إليها وشمتها لتعرف أهي أخواتها أم غيرها. ومنه قيل"شاممت فلانًا" إذا قاربته ، ابتغاء أن تعرف ما عنده بالاختبار والكشف. وهو"مفاعلة" من"الشم".

(30) انظر تفسير: "الضلال" ، و"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.

 


اتصل بنا | الملكية الفكرية DCMA | سياسة الخصوصية | Privacy Policy | قيوم المستخدم

آيــــات - القرآن الكريم


© 2022