تنوير - Tanweer   سورة  الزمر الأية 35


سورة Sura   الزمر   Az-Zumar
۞ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ (37) وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (40)
الصفحة Page 462
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)

لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)

وقوله : { ليُكَفِّر الله عنهُم أسْوَأ الَّذِي عَمِلوا } اللام للتعليل وهي تتعلق بفعل محذوف دل عليه قوله : { لهم ما يشاءون عند ربهم ، } والتقدير : وَعَدَهم الله بذلك والتزمَ لهم ذلك ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا . والمعنى : أن الله وعدهم وعداً مطلقاً ليكفر عنهم أسوأ ما عملوه ، أي ما وعدهم بذلك الجزاء إلا لأنهُ أراد أن يكفر عنهم سيئات ما عملوا .

والمقصود من هذا الخبر إعلامهم به ليطمئنوا من عدم مؤاخذتهم على ما فرط منهم من الشرك وأحواله .

و { أسوَأَ } يجوز أن يكون باقياً على ظاهر اسم التفضيل من اقتضاء مفضل عليه ، فالمراد بأَسوأ عملهم هو أعظمهُ سُوءاً وهو الشرك ، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الذنب أعظمُ؟ فقال : " أن تدعو لله نِدًّا وهو خَلَقَك " وإضافته إلى { الذي عملوا } إضافة حقيقية ، ومعنى كون الشرك مما عملوا باعتبار أن الشرك عمل قلبي أو باعتبار ما يستتبعه من السجود للصنم ، وإذا كَفَّر عنهم أسوأَ الذي عملوا كفَّر عنهم ما دونه من سيِّىء أعمالهم بدلالة الفَحوى ، فأفاد أنه يكفر عنهم جميع ما عمِلوا من سيئات ، فإن أريد بذلك ما سبَق قبلَ الإِسلام فالآية تعم كل من صدَّق بالرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن بعد أن كان كافراً فإن الإِسلام يُجبّ ما قبله ، وإن أريد بذلك ما عسى أن يعمله أحَدٌ منهم من الكبَائر في الإسلام كان هذا التكفير خصوصية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فضل الصحبة عظيم .

روي عن رسول الله أنه قال : " لاَ تسبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفَق مثلَ أُحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه " . ويجوز أن يكون { أسوأ } مسلوب المفاضلة وإنما هو مجاز في السوء العظيم على نحو قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } [ يوسف : 33 ] أي العمل الشديدُ السُوءِ ، وهو الكبائر ، وتكون إضافته بيانية . وفي هذه الآية دلالة على أن رتبة صحبة النبي عظيمة .

وقال رسول الله : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمَن أَحَبَّهم فبِحُبِّي أَحَبَّهم ومن أبغضهم فببغضي أَبغضَهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه . وقد أوصى أيمة سلفنا الصالح أن لا يُذكَر أحد من أصحاب الرسول إلاّ بأحسننِ ذكر ، وبالإمساك عما شجَر بينهم ، وأنهم أحق الناس بأن يُلتمس لهم أحسنُ المخارج فيما جرى بين بعضهم ، ويظنَّ بهم أحسن المذاهب ، ولذلك اتفق السلف على تفسيق ابن الأشتر النخعي ومن لُف لفه من الثوّار الذين جاءوا من مصر إلى المدينة لِخلع عثمان بن عفان ، واتفقوا على أن أصحاب الجمَلَ وأصحاب صِفِّينَ كانوا متنازِعين عن اجتهاد وما دفعهم عليه إلا السعي لِصلاح الإِسلام والذبّ عن جامعته من أن تتسَرب إليها الفُرقة والاختلال ، فإنهم جميعاً قدْوتنا وواسطة تبليغ الشريعة إلينا ، والطعن في بعضهم يفضي إلى مخاوف في الدين ، ولذلك أثبت علماؤنا عدالة جميع أصحاب النبي .

وإظهار اسم الجلالة في موضععِ الاضمار بضمير رَبِّهم } في قوله : { لِيُكفِّرَ الله عَنهم } لزيادة تمكن الإِخبار بتكفير سيئاتهم تمكيناً لاطمئنان نفوسهم بوعد ربهم .

وعطف على الفعل المجعوللِ علةٌ أولى فعلٌ هو علة ثانية وهو : { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون . } وهو المقصود من التعليل للوعد الذي تضمنه قوله : { لهم ما يشاءون عند ربهم .

والبناء في قوله : بأحسن الذي كانوا يعملون } للسببية وهي ظرف مستقرّ صفة ل { أجْرَهم } وليست متعلقة بفعل { يجزيهم } ، أي يجزيهم أجراً على أحسن أعمالهم . وإذا كان الجزاء على العمل الأحسن بها الوعد وهو { لهم ما يشاءون عند ربهم ، } فدل على أنهم يُجازَون على ما هو دون الأحسن من محاسن أعمالهم ، بدلالة إيذان وصف «الأحسن» بأن علة الجزاء هي الأحسنية وهي تتضمن أنّ لمعنى الحُسن تأثيراً في الجزاء فإذا كان جزاء أحسن أعمالهم أَنَّ لهم ما يشاءون عند ربهم كان جزاء ما هو دون الأحسن من أعمالهم جزاء دون ذلك بأن يُجَازَوا بزيادة وتنفيل على ما استحقوه على أحسن أعمالهم بزيادة تنعم أو كرامة أو نحو ذلك .

وفي «مفاتيح الغيب» : أن مقاتِلاً كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإِيمان واحتجَّ بهذه الآية فقال : إنها تدل على أن من صدّق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفّر عنهم أسوأ الذي عملوا . ولا يجوز حمل الأسوأ على الكفر السابق لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الأسوأ الكبائر التي يأتي بها بعد الإِيمان ا ه . ولم يجب عنه في «مفاتيح الغيب» وجوابه : لأن الأسوأ محتمل أن أدلة كثيرة أخرى تعارض الاستدلال بعمومها . وفي الجمع بين كلمة { أسْوَأ } وكملة { أحسن } محسِّن الطِّبق .

 


اتصل بنا | الملكية الفكرية DCMA | سياسة الخصوصية | Privacy Policy | قيوم المستخدم

آيــــات - القرآن الكريم


© 2022